السبت , 18 أبريل 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الرفاعي.. مسجد يجمع بين الدنيا والآخرة

الرفاعي.. مسجد يجمع بين الدنيا والآخرة
عدد : 02-2026
بقلم : فاروق شرف


"في رحاب بيوت الله، حيث يلتقي الحجر بالإيمان، وتتناغم العمارة مع الروح، نقترب اليوم من مسجدٍ سطّر التاريخ بين جدرانه، وجعل من محرابه قبلة علمٍ وعبادة… لنقرأ أثره بعين الباحث، ونستشعر نوره بقلب المؤمن."


في رحاب مسجد الرفاعي بميدان صلاح الدين، وبجوار عظمة مسجد السلطان حسن، يقف البناء شامخًا كأنما يحاور التاريخ في أبهى صوره، ويثبت أن العمارة الإسلامية قادرة على أن تتجدد دون أن تفقد روحها.


* عمارة شامخة تعانق السماء:

يتميز المسجد بواجهاته المرتفعة التي تكاد تلامس السماء، حيث تتصاعد الكتل المعمارية في تدرج مهيب يمنح المبنى رهبةً ووقارًا.

التماثل الدقيق في توزيع الفتحات، والعقود المحمولة على أعمدة عملاقة، والشرفات الحجرية المورقة، كلها تعكس مدرسة معمارية واعية جمعت بين روح الطراز المملوكي ودقة التنفيذ في مطلع القرن العشرين.

المئذنتان، برشاقتهما وامتدادهما الرأسي، تمثلان درسًا في الاتزان البصري؛ فقد بنيتا على طراز المآذن المملوكية متعددة الطبقات، لكن بروح أكثر نعومة وانسيابًا، وكأنهما تترجمان انتقال العمارة من العصر التقليدي إلى العصر الحديث.

* أول خطوة نحو العصر الحديث:

يُعد المسجد من أوائل المباني التي استخدمت الأسمنت في إنشائها في تاريخ العمارة الإسلامية بمصر، وهو ما شكّل نقطة تحول إنشائية مهمة، إذ أتاح هذا الاستخدام تحقيق هذه الارتفاعات الشاهقة والدقة في ضبط الكتل المعمارية دون الإخلال بالطابع التراثي.

بدأ المشروع في عهد السيدة الجليلة خوشيار هانم عام 1869م، والدة الخديوي إسماعيل، التي أرادت أن يكون المسجد جامعًا ومدفنًا للأسرة المالكة، في مشهد يربط بين العبادة والخلود الرمزي.

وتوقف العمل بعد وفاتها، حتى استؤنف في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، على يد المعماري المتميز ماكس هرتس، الذي أتم البناء سنة 1911م، ليخرج المسجد في صورته المهيبة الحالية.

* الداخل… سيمفونية من الرخام والنور


عند دخولك من الباب الملكي، تتجلى روعة التفاصيل:

قبة مركزية ضخمة محمولة على عقود شاهقة، ترتكز على أكتاف يحيط بكل منها أربعة أعمدة رخامية ذات تيجان مذهبة منقوشة بدقة آسرة.

الكسوات الرخامية والألباستر تغطي الجدران حتى ارتفاعات كبيرة، في تناغم لوني بين الأبيض والوردي والرمادي، تتخلله زخارف عربية محفورة بعناية.

ويبرز الرخام الأونيكس النادر في بعض الأجزاء، بتموجاته الشفافة التي تسمح بمرور الضوء فينعكس كأنه نور داخلي ينبض بالحياة، وهي مادة فاخرة استوردت خصيصًا، تعكس ذوقًا ملكيًا رفيعًا.

المحراب قطعة فنية قائمة بذاتها، مكسو برخام ملون دقيق القطع، وإلى جواره منبر خشبي مطعم بالسن والأبنوس، تتوج بابه مقرنصات مذهبة في غاية الإتقان.

أما الإضاءة، فتمتزج فيها الثريات النحاسية المفرغة مع المشكاوات الزجاجية المموهة بالمينا، فتمنح المكان دفئًا روحانيًا خاصًا، خصوصًا في ليالي رمضان.

* مدافن الملوك… جلال الصمت:

يضم المسجد مدافن الأسرة العلوية؛ حيث يرقد الملك فؤاد الأول، والملك فاروق الأول، إضافة إلى السلطان حسين كامل، والخديوي إسماعيل، وغيرهم.

كما يحتضن المسجد ضريح شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي، الذي دُفن به بعد وفاته في القاهرة عام 1980م، ليصبح المكان شاهدًا على صفحة من التاريخ السياسي الحديث، ومزارًا لزائريه من إيران ومحبي التاريخ.

ويمتاز مدفن الشاه بأرضيته وكسوته من الرخام الأونيكس النادر كاملًا، في تكوين فريد يضفي شفافية ضوئية آسرة على الحيز المعماري. وتُفرش أرضية الضريح بسجادة حريرية فاخرة تُمد من الناحيتين، وقد قُدِّرت قيمتها منذ نحو ثلاثين عامًا بما يقارب مليوني جنيه، في دلالة على فخامة المقتنيات ودقة اختيارها.

* أما المقصورة الخشبية المحيطة بالمسجد، فهي من أندر الأخشاب المختارة بعناية، تفوح منها رائحة زكية طبيعية، وقد جاءت مطعمة بقطع من العاج وسن الفيل في تشكيلات هندسية إسلامية بالغة الدقة، تعكس براعة الصناع وروح الفن الإسلامي في أبهى تجلياته.

مسجد يجمع بين الدنيا والآخرة:

مسجد الرفاعي ليس مجرد مبنى أثري، بل هو بيان معماري عن مرحلة انتقالية في تاريخ مصر؛
يجمع بين الطراز المملوكي في شكله، والتقنيات الحديثة في إنشائه، وبين العبادة ودفاتر الملوك في مدافنه.
هو مسجدٌ تصعد فيه العين إلى المآذن، ويهبط فيه القلب إلى خشوع السكينة.

وتظل قبابه وكسواته الرخامية شاهدة على أن الجمال حين يقترن بالإيمان، يصبح أثرًا خالدًا لا يزول.

*********************

كان لى شرف الاشتراك فى اعمال الترميم والصيانة وخاصة التركيبة الرخامية لإحدى زوجات الخديوى إسماعيل الفرنسية.
 
 
الصور :